وعد بلفور -------------- ج2
محمد حازم المصرى
18:24 - 11/25 معلومات عن العضو رد على الموضوع بإضافة نص هذه المشاركة أضف رد سريع بإقتباس لهذا الموضوع
بريطانيا والدولة اليهودية:
بعد تجربة اليهود مع فرنسا لم تعد تذكر الدولة اليهودية سوى في البيوتات اليهودية وفي بيوت المفكرين على وجه الخصوص, واستمر ذلك الحال نحو مائة عام وذلك حتى ظهور هرتزل على مسرح الأحداث الذي بدأ بالتحرك سريعا لاستغلال الظروف العالمية وانتهاز فرصة ضعف الدولة العثمانية والمباشرة في إقناع زعماء أوروبا والسلطان العثماني بتشكيل دويلة صغيرة في أي مكان في العالم, ولم تكن فلسطين حينئذ في أعلى الهرم، فقد كانت أولويته تجميع اليهود وإخراجهم من شتاتهم في أي مكان.
يقول هرتزل في مذكراته:
"سأتفاوض أولا مع قيصر روسيا بخصوص السماح لليهود الروس بترك البلاد، ثم أتفاوض مع قيصر ألمانيا, ثم مع النمسا, ثم مع فرنسا بخصوص يهود الجزائر, ولكي يكون لي اعتبار في البلاطات الأوربية يجب أن أحصل على أعلى الأوسمة، الإنجليز أولا" (3).
في عام 1880م تبنّى الأسقف الانغليكاني في فينّا (وليم هشلر) النظرية التي تقول "إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي، وان العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية", وكان هشلر قد ألف كتابا عام 1882م بعنوان (عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات)(4).
وهناك في فيينا تعرّف هشلر على ثيودور هرتزل وعلى مشروعه، واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني، وذلك لمساعدته على إقامة وطن يهودي في فلسطين، وبالرغم من أن تلك اللقاءات باءت بالفشل فإن هشلر لم ييأس، فقد انتقل إلى بريطانيا حيث رتّب في عام 1905م لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور.
ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني. كان لويد جورج رئيس الحكومة أكثر شغفاً بالمشروع الصهيوني وأشد حماسةً له من بلفور، فكان الوعد الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917م بمنح اليهود وطنا قومياً في فلسطين.
ذكر لويد جورج في كتابين له هما (حقيقة معاهدات السلام) و(ذكريات الحرب) أن حاييم وايزمن الكيمائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى هو الذي فتح له عينيه على الصهيونية، حتى أصبح أكثر صهيونية من وايزمن نفسه.(5).
ترجح بعض المصادر اهتمام بريطانية ببلاد الشام عموما وفلسطين خصوصا بعد شق الفرنسيين لقناة السويس وقد تبنت بريطانيا فكرة السيطرة على هذا الممر المائي الهام ومنع أي قوة من الحصول على فلسطين لقربها من قناة السويس، ففي عام 1879م كتب اللورد شانتسبري "إنها ضربة لانجلترا إذا استولت أي من الدول التي تنافسها على سورية, فإمبراطوريتها التي تمتد من كندا في الغرب إلى استراليا في الجنوب الشرقي تقطع إلى قسمين وعلى انجلترا أن تصون سوريا لنفسها .. ألا تستدعي السياسة البريطانية إلى تنمية الشعور القومي اليهودي ومساعدتهم لبناء وطنهم القومي"(6).
بعد عقد مؤتمر بازل في سويسرا وجد البريطانيون أن قيام دولة يهودية على أرض فلسطين صار أمراً ممكناً خصوصا أن الوكالة اليهودية والأغنياء اليهود تعهدوا بحماية المشروع الصهيوني وبلورة جهوده في احتلال الأرض الفلسطينية، فاتخذت عدة خطوات وعلى عدة مستويات كان أهمها:
- عزل فلسطين عن محيطها العربي والإسلامي بوضع حاجز بشري مختلف في الدين والقومية والانتماء باستجلابها العمالة اليهودية والسماح للوكالة اليهودية بشراء الأراضي وبناء مستوطنات في المناطق الهامة.
- الاتفاق مع بعض القيادات السياسية العربية النافذة بضرورة العطف على اليهود والأخذ بعين الاعتبار وجودهم على أنه مساعدة إنسانية.
- تدريب كوادر عسكرية يهودية في الجيش البريطاني في المستعمرات البريطانية وخصوصاً الهند.
- تسليح التجمعات اليهودية بعتاد ثقيل بذريعة حماية الممتلكات.
- كسب تأييد الدول الكبرى سواء بالضغط عليها أو بالتنازل لها عن بعض المستعمرات البريطانية.
ومع كل هذه الخطوات التي اتخذتها بريطانية لمنح فلسطين لليهود بالمجان جاء وعد بلفور الذي يعتبر الحلقة الأولى المعلنة من قبل بريطانية في بلورة وتكريس الاحتلال الصهيوني.
وعد بلفور ... الحقائق التاريخية:
جاء وعد بلفور ليضع المشروع الصهيوني في مساره المتوافق مع إنشاء الدولة اليهودية, فقد كانت بريطانية تحاول جاهدة ولا تكاد تغمض أعين سياسييها حتى تستفيق لتحقيق ما عجزت كل الدول الاستعمارية عن تحقيقه لليهود.
وبالتوازي مع الاتصالات التي كانت تجري لإصدار هذا الوعد، كان يتم تبادل مراسلات الشريف حسين ـ مكماهون، والتي كانت تتعهد فيها بريطانيا للشريف حسين بتنصيبه ملكاً على بلاد الشام إذا تحالف معها للثورة على الحكم العثماني.. وهنا لا بد أن نؤكد على أن بريطانيا قالت في إحدى رسائل مكماهون إنها.. ودون أن تبدي الأسباب.. ستستثني من الأراضي التي ستضعها تحت حكم الشريف، المنطقة الغربية من سوريا، والتي أصبحت فيما بعد فلسطين بشكلها الذي سلم لليهود، ولم يكن الشريف حسين يطلب تثبيت الوعود على شكل معاهدات.
وفي نفس الوقت تماما، كانت بريطانيا الماكرة (كما كانت تسميها حليفتها فرنسا) تجري مفاوضات مع الأمير عبد العزيز آل سعود، وتعده بعكس ما تعد به الشريف حسين وخاصة فيما يتعلق بحكم الجزيرة العربية، ولذلك فإن هذا الأمير كان يصرّ على أن يصاغ كل ما يقال له على شكل معاهدات مكتوبة وموقعة.
وفي نفس الوقت كانت تجري مع فرنسا وروسيا مفاوضات مع جمال باشا الوالي العثماني على المنطقة لإغرائه بالاستقلال عن أمه الإمبراطورية العثمانية الضعيفة والوقوف مع الحلفاء ضد ألمانيا، وفي نفس الوقت، كانت بريطانيا وفرنسا تجريان مفاوضات بدون علم الآخرين، لاقتسام المنطقة فيما سمي لاحقا باتفاقية سايكس ـ بيكو التي وقعت في العام 1916م ،أي قبل وعد بلفور بأشهر، وهي المعاهدة التي لم يتم تنفيذها، ولكن بعد الحرب عام 1920م نفذت ضمن اتفاقات جديدة مبنية عليها في مؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر، لأن الثورة البلشفية في روسيا فضحت هذه المعاهدة وأعلنتها على الملأ بكل ما فيها من قذارة وانحطاط اتصف بهما المستعمر الغربي ويتصف بهما حتى يومنا هذا.
وفي الوقت نفسه وعد تشرشل وجهاء المنطقة عام 1920م بعدم إنشاء دولة يهودية، وقال: "انه مجرد ملجأ قومي لهؤلاء المساكين!!!"(7).
جلال الزناتي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire